المنصات الرقمية تعيد تشكيل الوساطة العقارية وتقلّص دور المكاتب التقليدية

هل يقترب عصر المكاتب العقارية التقليدية من نهايته؟ سؤال تفرضه التحوّلات المتسارعة التي يشهدها السوق العقاري السعودي، بعدما أصبحت المنصات الإلكترونية العقارية الرسمية والخاصة وجهة رئيسية للباحثين عن شراء المساكن أو استئجارها، في تحوّل أعاد تشكيل العلاقة بين "المالك والمستأجر والمشتري والوسيط العقاري"، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الموقع الجغرافي للمكتب، لمصلحة الخدمات الرقمية التي تختصر المسافات وتخفّض التكاليف وتمنح المستفيد خيارات أوسع دون الحاجة إلى التنقّل بين الأحياء والشوارع بحثاً عن عقار مناسب.

ولم يعد الوصول إلى الوحدة السكنية مرهوناً بزيارة المكاتب العقارية أو التواصل المباشر مع الوسطاء، كما كان سائداً خلال العقود الماضية، إذ بات بإمكان المستفيد استعراض مئات الخيارات العقارية عبر هاتفه المحمول، والاطلاع على المواقع والمساحات والأسعار والصور والمواصفات، وإجراء المقارنات الأولية بين الوحدات المعروضة خلال دقائق، بعدما كانت هذه العملية تتطلب أياماً من البحث والزيارات الميدانية والاتصالات المتكررة.

ويعكس هذا التحوّل تغيراً جوهرياً في أنماط التعاملات العقارية، وانتقال السوق من نموذج يعتمد على الوساطة الميدانية إلى منظومة رقمية أكثر انفتاحاً، تتسع فيها دائرة المنافسة بين العروض العقارية، وتتراجع معها الحواجز الجغرافية التي كانت تمنح المكاتب المحلية أفضلية في الوصول إلى العملاء.

تراجع الوساطة التقليدية

وأمام هذا الواقع، تواجه المكاتب العقارية التقليدية تحدياً اقتصادياً يتمثل في تراجع الحاجة إلى بعض الخدمات التي كانت تشكل أساس نشاطها التجاري، وفي مقدمتها استقبال الباحثين عن العقارات، وعرض الوحدات المتاحة، والتنسيق الأولي بين الملاك والمستفيدين، وهي خدمات أصبحت المنصات الإلكترونية تقدم جانباً كبيراً منها بصورة مباشرة وسريعة.

وفي السابق، كان الباحث عن شقة سكنية أو منزل يخصص وقتاً للتجول بين الأحياء وزيارة المكاتب العقارية والاستفسار عن الوحدات المتوافرة، بينما أصبح اليوم قادراً على تحديد الحي والسعر والمساحة ونوع العقار من خلال خيارات البحث الإلكتروني، الأمر الذي قلّص الحاجة إلى الزيارات الاستكشافية. وجعل التواصل المباشر يتركز غالباً على العقارات التي تتوافق مع احتياجاته.

ولم يقتصر أثر التحول الرقمي على اختصار الوقت، بل امتد إلى إعادة توزيع الفرص التجارية بين المناطق، إذ يستطيع المقيم في جدة البحث عن منزل في الرياض، كما يمكن لسكان المنطقة الشرقية استعراض العقارات المعروضة في مكة المكرمة أو المدينة المنورة، دون الارتباط بموقع المكتب العقاري أو نطاق عمله التقليدي.

العمولات أمام التحول

وفي موازاة انتشار المنصّات العقارية، أسهمت الخدمات الإلكترونية المرتبطة بالعقود الإيجارية في تقليص الاعتماد على الإجراءات الورقية والزيارات المتكررة للمكاتب، خصوصاً مع الخدمات التي توفرها منصة "إيجار" لتوثيق العقود وإدارة العلاقة الإيجارية وسداد الدفعات وتجديد العقود وفق الإجراءات والضوابط المعتمدة.

وأصبح بإمكان المؤجر والمستأجر إنجاز العديد من الإجراءات إلكترونياً دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الإيرادات التي كانت تحققها بعض المكاتب مقابل متابعة هذه المعاملات وإنجازها.

غير أن التحوّل الإلكتروني لا يعني انتهاء العمولات العقارية بصورة تلقائية، إذ تظل خدمات الوساطة التي يقدمها الوسيط العقاري المرخص خاضعة للأنظمة والاتفاقات المنظمة لها، بينما تتراجع الحاجة إلى دفع مقابل خدمات إجرائية يمكن للمستفيد تنفيذها بنفسه عبر القنوات الرقمية.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن اتساع نطاق التعامل المباشر بين أطراف العلاقة العقارية قد يعزز المنافسة على تكلفة الوساطة، ويدفع المكاتب إلى تقديم خدمات إضافية تتناسب مع المقابل المالي الذي تحصل عليه، بدلاً من الاكتفاء بدور الربط التقليدي بين البائع والمشتري أو المؤجر والمستأجر.

تكاليف تشغيلية أقل

وتبرز الفوارق التشغيلية باعتبارها أحد أبرز عوامل المنافسة بين "المنصات الإلكترونية والمكاتب التقليدية"، فالمكتب العقاري يحتاج عادة إلى مقر وتجهيزات وموظفين ومصروفات تشغيلية مستمرة، في حين تستطيع المنصات الرقمية خدمة أعداد كبيرة من المستفيدين عبر بنية تقنية مركزية، دون الحاجة إلى افتتاح فرع في كل حي أو مدينة.

ويمنح هذا النموذج الرقمي قدرة أكبر على التوسع الجغرافي، مع إمكانية زيادة حجم التعاملات دون ارتفاع مماثل في تكاليف التشغيل، وإن كانت المنصات تتحمل بدورها تكاليف التقنية والتطوير والتسويق والامتثال والرقابة على الإعلانات.

كما أن عرض العقارات إلكترونياً يرفع مستوى المنافسة السعرية، بعدما أصبح المستهلك قادراً على مقارنة أسعار الوحدات المتشابهة في الحي الواحد، والتعرف على الفروقات بين العروض، بما يقلّص الفجوة المعلوماتية التي كانت تمنح بعض الوسطاء أفضلية تفاوضية.

مستقبل المكاتب العقارية

ورغم هذه التحولات، فإن الحديث عن اختفاء المكاتب العقارية بصورة نهائية يبدو سابقاً لأوانه، خصوصاً أن بعض التعاملات، مثل الصفقات الاستثمارية الكبيرة وتسويق المشروعات وإدارة الأملاك والتفاوض والتقييم العقاري، لا تزال تحتاج إلى خبرات مهنية وخدمات متخصصة تتجاوز مجرد عرض العقار إلكترونياً.

لكن المؤشرات المرتبطة بتغيّر سلوك المستهلك ترجح أن المكاتب التي تواصل الاعتماد على أساليب العمل التقليدية ستواجه ضغوطاً تنافسية متزايدة، في مقابل فرص أكبر للمكاتب القادرة على تطوير خدماتها وتبني الحلول التقنية وتقديم قيمة مضافة للعملاء.

وفي المحصلة، لا يبدو أن السوق العقاري يتجه بالضرورة إلى إنهاء دور الوسيط، بقدر ما يتجه إلى إعادة تعريف هذا الدور، والانتقال من الوساطة القائمة على امتلاك المعلومة إلى الوساطة القائمة على الخبرة وجودة الخدمة وسرعة الإنجاز.

وبينما تتوسع المنصات الرقمية في تقديم الخدمات العقارية، يصبح السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت المكاتب العقارية ستختفي، وإنما كم مكتباً سيتمكن من مواكبة التحول، وكم منها سيجد نفسه خارج المنافسة بعدما أصبحت المعلومة العقارية متاحة للجميع بضغطة زر.

وكانت سجلات الوساطة العقارية في المملكة قد سجلت نموا سنويا بنسبة 18%، بعدما ارتفع عدد السجلات التجارية القائمة إلى 55,482 سجلا بنهاية الربع الأول من عام 2026، مقارنة بـ46,897 سجلا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفقا لبيانات وزارة التجارة.

وأظهرت نشرة قطاع الأعمال الصادرة عن الوزارة تصدر منطقة الرياض قائمة المناطق من حيث عدد السجلات التجارية لنشاط الوساطة العقارية، بإجمالي 23,421 سجلا، تلتها منطقة مكة المكرمة بـ15,042 سجلا، ثم المنطقة الشرقية بـ6,907 سجلات. وجاءت منطقة المدينة المنورة في المرتبة الرابعة بواقع 2,783 سجلا تجاريا، تلتها منطقة القصيم بـ1,622 سجلا. واستحوذت منطقتا الرياض ومكة المكرمة مجتمعتين على نحو 69% من إجمالي السجلات التجارية القائمة لنشاط الوساطة العقارية في المملكة، بما يعكس تركز النشاط التجاري المسجل في المنطقتين. وتشمل هذه الإحصاءات السجلات التجارية القائمة لنشاط الوساطة العقارية، وفق تصنيف وزارة التجارة، ولا تعني بالضرورة أن جميع السجلات تمثل مكاتب عقارية مرخصة أو مزاولة للنشاط فعليا.

المصدر: الرياض - اقتصاد