منذ مطلع عام 2026، أعادت التطورات السياسية في فنزويلا، وتصريحات الإدارة الأمريكية بشأن زيادة إنتاج النفط والمعروض العالمي، طرح تساؤلات حول مستقبل النفط الخليجي ومكانته في الأسواق الدولية، وما إذا كانت الإمدادات الجديدة ستحد من أهميته أو تؤثر في قدرته التنافسية.

لكن بعيدًا عن حجم الاحتياطيات والإنتاج، تكشف الأرقام عن جانب آخر من المنافسة النفطية لا يحظى بالاهتمام الكافي، يتمثل في تكلفة وصول البرميل إلى الأسواق المستهلكة، والمدة الزمنية التي يستغرقها النقل، ومدى ملاءمة الخام للمصافي.

وفي حديث لـ«الرياض»، أوضح علي الريامي، المدير العام السابق لتسويق النفط والغاز في وزارة الطاقة العُمانية، أن الميزة التنافسية للنفط الخليجي لا تتوقف عند سعر البيع، بل تشمل تكاليف النقل والخدمات اللوجستية والعائد الذي تحققه المصافي من معالجته.

7.5 ملايين دولار في شحنة واحدة

واستعرض الريامي أرقامًا من سوق النقل البحري تُظهر الفارق في تكلفة شحن النفط إلى الصين، مشيرًا إلى أن تكلفة نقل البرميل من الخليج بلغت نحو 11.5 دولار في ظل ظروف المخاطر وارتفاع أجور الشحن، مقابل نحو 19 دولارًا للبرميل في بعض شحنات الخام الأمريكي إلى الصين.

وبحسب هذه المقارنة، يصل الفارق إلى 7.5 دولارات للبرميل الواحد، ما يعادل توفيرًا بقيمة 7.5 ملايين دولار عند نقل شحنة بحجم مليون برميل.

ولا تتوقف الميزة عند التكلفة المالية، إذ تستغرق رحلة ناقلة النفط من الخليج إلى الصين نحو 12 إلى 20 يومًا، مقارنة بنحو 35 إلى 45 يومًا للشحنات القادمة من الولايات المتحدة، وفق تقديرات الريامي.

ويعني ذلك أن النفط الخليجي يمكن أن يصل إلى المشتري الآسيوي قبل نظيره الأمريكي بنحو أسبوعين إلى شهر، بحسب الموانئ والمسارات المستخدمة.

ولا يمثل هذا الفارق مجرد اختصار للمسافة، بل يمنح المستوردين مرونة أكبر في إدارة المخزون وتقليل مدة تمويل الشحنات والتعرض لتقلبات الأسواق أثناء النقل.

أربع مزايا تدعم نفط الخليج خلال العقد المقبل

ويرى الريامي أن أربعة عوامل اقتصادية رئيسية ستدعم القدرة التنافسية للنفط الخليجي في الأسواق الآسيوية خلال السنوات العشر المقبلة.

تتمثل الميزة الأولى في الموقع الجغرافي، إذ تعد منطقة الخليج من أقرب مراكز الإنتاج النفطي الكبرى إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا.

أما العامل الثاني فهو تكلفة النقل؛ فكلما ارتفعت أجور الشحن البحري وأقساط التأمين، زادت الأهمية الاقتصادية لقرب المنتج من المستهلك، وتحولت المسافة الجغرافية إلى وفر مالي يمكن قياسه على مستوى البرميل والشحنة.

ويأتي العامل الثالث في الطاقة الإنتاجية الاحتياطية التي تتمتع بها بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها السعودية والإمارات، بما يمنحها قدرة أكبر على التعامل مع تقلبات الطلب واضطرابات المعروض، مع تفاوت هذه القدرة بين المنتجين. في حين يتمثل العامل الرابع في الارتباط المتنامي بالأسواق الآسيوية، حيث تمتلك مصافٍ عديدة في الصين والهند تجهيزات تسمح بمعالجة الخامات الشرق أوسطية بكفاءة، ما يعزز العلاقات التجارية طويلة الأجل بين المنتجين الخليجيين والمشترين الآسيويين.

الخام الخليجي ومكاسب

المصافي الآسيوية

ولا تقتصر المزايا التنافسية للنفط الخليجي على الجغرافيا والشحن، إذ يبرز عامل آخر يتعلق بخصائص الخام ومدى ملاءمته للمصافي الآسيوية.

ويوضح الريامي أن النفط العُماني وعددًا من الخامات الخليجية المتوسطة يوفران توازنًا بين السعر والعائد من التكرير، بالنظر إلى الخصائص الفنية لهذه الخامات وطبيعة تجهيزات المصافي التي تستقبلها.

فالخام شديد الخفة ليس بالضرورة الخيار الأكثر ربحية لكل مصفاة، كما أن معالجة الخامات الثقيلة قد تتطلب تجهيزات وتكاليف إضافية. ولذلك تعتمد المفاضلة الاقتصادية على سعر الخام، ومواصفاته، وقدرات المصفاة، والقيمة السوقية للمنتجات المستخرجة منه.

وأشار الريامي إلى ثلاث مزايا رئيسية تستفيد منها المصافي الملائمة لمعالجة الخامات الخليجية، تتمثل في إمكانية تحقيق عوائد جيدة من إنتاج الديزل ووقود الطائرات، واستقرار مواصفات الخام بين الشحنات، فضلًا عن انخفاض تكاليف النقل والمخزون نتيجة القرب الجغرافي من أسواق الاستهلاك.

وبذلك، لا ينظر المشتري الآسيوي إلى سعر البرميل عند نقطة التصدير فحسب، وإنما إلى تكلفته الإجمالية عند وصوله إلى المصفاة، والعائد المتوقع من تحويله إلى منتجات بترولية.

الجغرافيا تتحول إلى قيمة اقتصادية

ويخلص الريامي إلى أن مستقبل المنافسة بين منتجي النفط لن تحسمه أسعار البيع وحدها، بل ستؤثر فيه بصورة متزايدة تكلفة وصول الشحنات، وموثوقية الإمدادات، ومدى توافق الخامات مع احتياجات المصافي.

وقال: «الميزة التنافسية للنفط العُماني والخليجي اليوم لم تعد في سعر البرميل فقط، بل في تكلفة البرميل عند وصوله إلى المصفاة. فعندما يستطيع الخام الخليجي أن يصل إلى آسيا قبل الخام الأمريكي بنحو شهر تقريبًا، وأن يوفر ملايين الدولارات في تكلفة النقل لكل شحنة كبيرة، فإن الجغرافيا تتحول إلى ميزة اقتصادية حقيقية».

وأضاف: «مع تزايد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن، أعتقد أن قيمة القرب من الأسواق الآسيوية ستصبح في السنوات المقبلة أهم من أي وقت مضى».

وبينما قد تسهم زيادة الإنتاج الأمريكي أو الفنزويلي في توسيع المعروض العالمي، فإن المنافسة في الأسواق الآسيوية ستظل مرتبطة بمعادلة أشمل من حجم الإنتاج، تجمع بين سعر الخام وتكلفة نقله وجودته وأمن وصوله إلى المستهلك النهائي.

المصدر: الرياض - اقتصاد