الاقتصاد السعودي متانته تمتص الصدمات

على الرغم من تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي واستمرار حالة عدم اليقين، إلى جانب التطورات الجيوسياسية في المنطقة وما تفرضه من تعقيدات متزايدة على سلاسل الإمداد والتحديات المصاحبة لها، أثبت الاقتصاد السعودي خلال العام الحالي 2026م متانته وقدرته على التعامل مع مختلف التحديات وامتصاص الصدمات والمتغيرات بمرونة عالية، مدعومًا بالنهج الإستباقي المدروس الذي تبنته المملكة، والقائم على التخطيط المالي طويل المدى، وتنفيذ الاستثمارات النوعية التي أسهمت في تعزيز جاهزية البنية التحتية واللوجستية، ورفعت قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة المتغيرات والحفاظ على استقرار مكوناته الأساسية.

حقق الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفاضًا طفيفًا بمعدل 0.9% خلال النصف الأول من العام الحالي 2026م مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025م، إلا أن الأنشطة غير النفطية واصلت أداءها المحوري في دعم الاقتصاد وقيادة مسارات النمو، مسجلة نموًا بمعدل 1.8%، مع ارتفاع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات تاريخية بلغت 57.3% خلال الفترة نفسها.

وكانت وزارة المالية قد أعلنت البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 1448/1449هـ (2027م)، الذي تضمن توقعات بأن يبلغ إجمالي النفقات نحو 1,392 مليار ريال، وإجمالي الإيرادات نحو 1,202 مليار ريال، بعجز يُقدر بنحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي؛ في إطار نهج مالي يوازن بين دعم النمو الاقتصادي ومواصلة تنفيذ الأولويات التنموية والمحافظة على استدامة المالية العامة.

وأشار البيان إلى أن الاقتصاد السعودي، واصل الاستفادة من الإصلاحات الاقتصادية التي شهدتها المملكة منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، والتي أسهمت في تنويع القاعدة الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، وانعكس ذلك على أداء الأنشطة غير النفطية واستمرار مساهمتها في دعم النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى انعكاسه على تعزيز مرونة اقتصاد المملكة في مواجهة الصدمات.

ومن المقدر أن تسهم مواصلة تنفيذ مبادرات التنويع الاقتصادي والإصلاحات الاقتصادية في دعم الإيرادات على المدى المتوسط؛ إذ يُتوقع أن يبلغ إجمالي الإيرادات نحو 1,202 مليار ريال في العام 2027م، وصولًا إلى نحو 1,351 مليار ريال في العام 2029م، فقد أسهمت تلك المبادرات في رفع الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال في العام 2015م إلى 505 مليارات ريال في العام 2025م؛ بما عزز استقرار الإيرادات العامة واستدامتها، فيما يُقدر أن يبلغ إجمالي النفقات نحو 1,392 مليار ريال في العام 2027م، وصولًا إلى نحو 1,544 مليار ريال في العام 2029م، في ظل مواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والإستراتيجية، والمشاريع ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي.

وانعكس الأداء القوي للأنشطة غير النفطية على معدلات البطالة، كما أسهم في دعم نمو الاستهلاك والاستثمار الخاص. وكان الناتج المحلي الحقيقي قد حقق خلال العام 2025م نموًا بمعدل 4.6%، مدفوعًا بنمو الأنشطة غير النفطية بمعدل 5.1%، لتصل إلى أعلى مستوى تاريخي لها على الإطلاق عند 2.7 تريليون ريال، وكان لهذا النمو الأثر الأكبر في ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بمساهمة بلغت 2.8 نقطة مئوية.

الإنفاق الاستهلاكي يدعم النشاط الاقتصادي

وحسب مكونات الإنفاق، كان المساهم الأكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال الربع الأول من العام الحالي 2026م هو بند الإنفاق الاستهلاكي النهائي الحكومي، بنسبة 2.2%، يليه الإنفاق الاستهلاكي النهائي الخاص بنسبة 2.1%.

وخلال الربع الثاني من العام الحالي 2026م، كان المساهم الأكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي هو انخفاض واردات السلع والخدمات بنسبة 4.2%، يليه الإنفاق الاستهلاكي النهائي الحكومي بنسبة 0.9%، بما يعكس استمرار مساهمة مكونات الإنفاق المختلفة في دعم النشاط الاقتصادي، رغم الظروف الخارجية والتحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وفي السياق ذاته، شهد إجمالي تكوين رأس المال الثابت الحقيقي للقطاع غير الحكومي استقرارًا نسبيًا، حيث سجل نموًا سنويًا قدره 1.2% خلال النصف الأول من العام الحالي 2026م، إلى جانب بلوغ صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية 23.1 مليار ريال في الربع الأول من العام الحالي 2026م، وهي مستويات مستقرة نسبيًا مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025م.

وتؤكد هذه المؤشرات استمرار جاذبية بيئة الأعمال في المملكة للمستثمرين المحليين والدوليين، رغم التطورات الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة، كما تعكس قدرة الاقتصاد السعودي على المحافظة على تدفقات الاستثمار ودعم النشاط الخاص في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية.

نمو الاستهلاك والتجارة الإلكترونية

واصل الاستهلاك النهائي الخاص بالأسعار الثابتة نموه خلال النصف الأول من العام الحالي 2026م، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 2.7% مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025م، مدعومًا بنمو مؤشرات النشاط الاستهلاكي.

وفي هذا الإطار، حقق مؤشر مبيعات نقاط البيع نموًا إيجابيًا بنسبة 6.1% في النصف الأول من العام الحالي 2026م مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025م، كما ارتفعت قيمة عمليات التجارة الإلكترونية بنسبة 36.9% مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025م، بما يعكس استمرار توسع النشاط الاستهلاكي وتنامي الاعتماد على قنوات البيع والتجارة الإلكترونية.

تحسن القطاع الخارجي

وواصل القطاع الخارجي تحسنه، على الرغم من استمرار التطورات الجيوسياسية وما يصاحبها من حالة عدم اليقين، حيث انخفض عجز الحساب الجاري بنسبة 67.1% ليصل إلى 20.1 مليار ريال في النصف الأول من العام الحالي 2026م، مقارنة بحوالي 61.0 مليار ريال للفترة نفسها من العام 2025م.

كما واصل الميزان التجاري السلعي تعزيز متانة القطاع الخارجي، محققًا فائضًا بلغ 154.7 مليار في النصف الأول من العام الحالي 2026م، بنمو سنوي قدره 53.2%، مدفوعًا بارتفاع الصادرات النفطية بنسبة 10.6% على أساس سنوي.

وتجدر الإشارة إلى أنه نتيجة للتطورات الجيوسياسية وتأثر مضيق هرمز بالإغلاقات خلال الفترة الماضية، عززت المملكة استفادتها من منافذ البحر الأحمر، إذ يمر من خلالها قرابة 40.7% من مجموع الصادرات غير النفطية، وقرابة 48.3% من الواردات السلعية خلال الأزمة، مقارنة بـ19.3% و23.1% قبل الأزمة للصادرات والواردات على التوالي.

وفي هذا السياق، واصلت الأصول الاحتياطية تعزيز المركز الخارجي للمملكة، حيث ارتفع إجمالي الأصول الاحتياطية في الربع الثاني من العام الحالي 2026م بنسبة 8.1% مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025م، ليصل إلى نحو 1.85 تريليون ريال.

كما أن إجمالي الأصول الاحتياطية للربع الثاني من العام 2026م يغطي إجمالي الدين الخارجي، البالغ 624.9 مليار ريال خلال الفترة نفسها، بنسبة 284%، متجاوزًا الحد الأدنى الموصى به من قبل صندوق النقد الدولي عند 100%، بما يشير إلى ارتفاع مستوى تغطية الالتزامات الخارجية بالأصول الاحتياطية، ويعكس قوة المركز المالي الخارجي للمملكة.

السياحة تواصل

دعم التنويع الاقتصادي

وفي القطاع السياحي، واصل النشاط أداءه الإيجابي، مدعومًا باستمرار قوة الطلب المحلي والوافدين، بما يعكس مرونة القطاع وقدرته على المحافظة على وتيرة النمو، وتعزيز مساهمته في النشاط الاقتصادي وتنويع مصادر النمو.

وكشفت البيانات الأولية لوزارة السياحة أن إجمالي عدد السياح المحليين والوافدين بلغ نحو 37.2 مليون سائح في الربع الأول من العام الحالي 2026م، مدعومًا بعدد السياح المحليين الذي بلغ نحو 28.9 مليون سائح، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي نحو 82.7 مليار ريال، بما يؤكد استمرار مساهمة القطاع السياحي في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز مسارات التنويع الاقتصادي.

13 ألف مصنع

تعزز القاعدة الإنتاجية

ومن جانب آخر، استمر القطاع الصناعي في تحقيق تقدم مدفوعًا بالاستثمارات النوعية والتوسع في القاعدة الإنتاجية، بما يعزز مستهدفات التنويع الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل، ويدعم تطوير القدرات الإنتاجية المحلية.

ووفقًا لأحدث بيانات وزارة الصناعة والثروة المعدنية، تجاوز عدد المصانع في المملكة 13 ألف مصنع حتى شهر مايو من العام الحالي 2026م، فيما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للصناعة رفع العدد إلى 36 ألف مصنع بحلول العام 2035م.

كما سجل نشاط الصناعات التحويلية، باستثناء تكرير النفط، بالأسعار الثابتة نموًا بنسبة 0.8% في النصف الأول من العام الحالي 2026م على أساس سنوي، في الوقت الذي تستهدف فيه المملكة رفع الناتج الصناعي إلى نحو 895 مليار ريال ومضاعفة الصادرات الصناعية إلى 557 مليار ريال بحلول العام 2030م.

وتعكس هذه المؤشرات استمرار التحول في هيكل الاقتصاد السعودي، مع اتساع دور الأنشطة غير النفطية وتنامي مساهمة قطاعات الصناعة والسياحة والتجارة والاستثمار والاستهلاك في دعم النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع استمرار المملكة في تعزيز بنيتها التحتية واللوجستية ورفع قدرتها على التعامل مع المتغيرات العالمية والإقليمية، بما يدعم مستهدفات التنويع الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.

الرياض - حازم بن حسين

المصدر: الرياض - اقتصاد