تتجه مرتفعات "مركز الفِقرة" بمنطقة المدينة المنورة نحو تعزيز حضورها في المشهد الزراعي والسياحي، في ظل جهود مشتركة لعدد من الجهات الحكومية والمجتمعية لتوطين زراعة البن، والاستفادة من المقومات الطبيعية والمناخية التي تتميز بها المنطقة، بما يفتح آفاقاً جديدة لتنويع الاقتصاد المحلي ورفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية، وتقع الفِقرة على بُعد نحو 75 كيلومتراً من المسجد النبوي، وترتفع قممها إلى أكثر من 1900 متر فوق سطح البحر، ما يمنحها مناخاً معتدلاً صيفاً، تنخفض معه درجات الحرارة بنحو15 درجة مئوية مقارنة بالمدينة المنورة، فيما تشتد البرودة خلال فصل الشتاء، كما تنتشر فيها الأشجار الجبلية، وفي مقدمتها العرعر والعتم، إلى جانب النباتات والزهور البرية التي تضفي على المكان تنوعاً بيئياً يعزز فرص تطوير السياحة البيئية والريفية، ولا تقتصر مقومات الفِقرة على طبيعتها الجبلية وأجوائها المعتدلة، بل تمتد إلى منتجات زراعية محلية يمكن أن تشكل رافداً اقتصادياً إضافياً، من خلال ربط الإنتاج الزراعي بالأنشطة السياحية والتجارب التراثية، بما يسهم في إيجاد فرص استثمارية جديدة، ويدعم المنتجين المحليين، ويعزز جاذبية المنطقة وجهةً للزوار.
العسل الجبلي
وأوضح الدكتور محمد أديب عبدالسلام، المتخصص في الشؤون التاريخية والسياحية بالمدينة المنورة، أن الفِقرة تشتهر بإنتاج العسل الجبلي بمختلف أنواعه، مشيراً إلى أن جهود جمعية النحالين أسهمت في زراعة نحو 50 ألف شجرة سدر، بما يعزز البيئة المناسبة لتربية النحل ويدعم استدامة الإنتاج المحلي، وأشار إلى أن هذه المقومات تتيح فرصاً لربط نشاط تربية النحل بالسياحة الريفية، من خلال الأسواق المتخصصة، وتجارب تذوق العسل، والفعاليات والمهرجانات، إلى جانب تطوير منتجات محلية تحمل هوية المنطقة وتستفيد من الطلب السياحي، ويمثل هذا التوجه فرصة لتجاوز النمط التقليدي في تسويق العسل، من خلال تحويله إلى جزء من تجربة الزائر، بما يرفع القيمة الاقتصادية للمنتج، ويوسع قنوات بيعه، ويفتح المجال أمام المشاريع الصغيرة والأسر المنتجة للاستفادة من الحراك السياحي.
النخيل الجبلي والحمضيات
وتتميز الفِقرة كذلك بوجود النخيل الجبلي، إلى جانب أشجار الحمضيات والجوافة، وهي محاصيل تمنح النشاط الزراعي في المنطقة تنوعاً إنتاجياً يمكن البناء عليه لتطوير فرص التسويق والاستثمار، ويمكن توظيف هذه المنتجات ضمن منظومة السياحة الريفية، من خلال إتاحة زيارة المزارع، وتنظيم أسواق للمنتجات المحلية، وتطوير الأغذية المستمدة من المحاصيل الجبلية، وربط المزارعين بالمطاعم ومرافق الضيافة والأنشطة السياحية، ومن شأن هذا التكامل أن يوسع الاستفادة الاقتصادية من المحاصيل، ويمنح المنتج المحلي فرصاً للوصول إلى المستهلك مباشرة، بدلاً من اقتصار عوائده على بيع المحصول بصورته الأولية، فضلاً عن إتاحة فرص عمل في مجالات التعبئة والتسويق والتصنيع الغذائي والخدمات السياحية.
البن.. خطوة لتنويع الاقتصاد الزراعي
وفي سياق تنويع المحاصيل وفتح مسارات إنتاجية جديدة، أوضح الدكتور محمد عبدالسلام أن الفِقرة تشهد توجهاً نحو توطين زراعة البن، مع زراعة نحو ألف شجرة، مستفيدة من الدعم المقدم للقطاع الزراعي، وتبرز زراعة البن بوصفها فرصة لتطوير سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة، تبدأ من زراعة الأشجار والعناية بالمحصول، وتمتد إلى عمليات المعالجة والتجفيف والتحميص والتعبئة، وصولاً إلى التسويق وتقديم القهوة في المقاهي والمرافق السياحية، ومن شأن تطوير هذه السلسلة أن يتيح فرصاً استثمارية تتجاوز بيع المحصول الخام، ويعزز إمكانية تقديم البن المحلي منتجاً ذا هوية مرتبطة ببيئة الفِقرة وطبيعتها الجبلية، بما يضيف بُعداً جديداً لتجربة الزائر، ويمنح المنطقة منتجاً قابلاً للتسويق ضمن الأنشطة السياحية والفعاليات المحلية.
ويواكب هذا التوجه مساعي تنويع الإنتاج الزراعي في المملكة، ودعم التنمية الريفية، وتعظيم الاستفادة الاقتصادية من الموارد المحلية، بما يعزز فرص استدامة الأنشطة الزراعية ويربطها بقطاعات أخرى، في مقدمتها السياحة والضيافة والتجارة.
المقومات المناخية
من جهته، أوضح المستثمر يوسف عوض الأحمدي أن الفِقرة تتميز بتنوع محاصيلها الزراعية، ومنها الحمضيات والجوافة والنخيل، إلى جانب ارتفاعها الذي يتجاوز 1900 متر فوق سطح البحر، وما يصاحب ذلك من خصائص مناخية تجعلها أكثر اعتدالاً خلال الصيف مقارنة بالمدينة المنورة، فيما تنخفض درجات الحرارة بصورة ملحوظة خلال الشتاء، وأضاف أن انتشار أشجار العرعر والعتم، إلى جانب الغطاء النباتي الجبلي، يمنح المنطقة مقومات طبيعية يمكن الاستفادة منها في تعزيز جاذبيتها السياحية، بالتوازي مع تطوير الأنشطة الزراعية وتسويق منتجاتها.
وتعكس هذه المقومات فرصة لتطوير نموذج اقتصادي محلي يقوم على التكامل بين الزراعة والسياحة، بحيث تتحول المزارع والمنتجات الجبلية إلى عناصر ضمن تجربة سياحية متكاملة، تشمل الزيارة والتذوق والشراء والتعرف على أساليب الإنتاج المحلية.
المصدر: الرياض - اقتصاد