تكبّدت أغلب اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا انتكاسة كبيرة في العام 2026، بعد أن أدّى الصراع بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل التعافي الاقتصادي الذي كان يتشكّل خلال الشهرين الأولين من العام، وقد كان لإغلاق مضيق هرمز، وتعطّل إنتاج النفط والغاز، والقيود المفروضة على الحركة الجوية، أثر بالغ الشدة على اقتصادات الدول الخليجية، ويتباين الأثر تبايناً كبيراً من بلد إلى آخر، إذ تواجه البلدان المصدّرة للنفط والمعرّضة مباشرةً للاضطرابات تقلّباتٍ في النمو أكبر بكثير من تلك التي تواجهها الاقتصادات المستوردة للنفط. ويُبرز صندوق النقد الدولي أن الحرب في الشرق الأوسط تفرض صدمة غير متكافئة إلى حد بعيد على المنطقة، بما يضع ضغطاً اقتصادياً بالغ الشدة على البلدان المشاركة فيها بشكل مباشر، وفي المقابل، أظهر عدد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قدراً أكبر نسبياً من المرونة الاقتصادية. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، من المتوقع الآن أن تسجّل الدول الخليجية نمواً إجمالياً سلبياً في العام 2026،
ووفق تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لصندوق النقد الدولي -أكتوبر 2026، فقد تركّز خفض توقعات الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة ككل على مصدّري النفط الخليجيين المتأثرين مباشرة بالصراع، بما يعكس اضطرابات حادة في قطاع الهيدروكربونات وتداعياتها على التجارة والخدمات اللوجستية والثقة. ومن المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للدول الخليجية بنسبة 4.8 في المائة في العام 2026 قبل أن يعود إلى نمو بنسبة 9.1 في المائة في العام 2027. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أيضاً أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للدول الخليجية بنسبة 0.8 في المائة في العام 2026 قبل أن يتعافى بنسبة 4.5 في المائة في العام 2027، في حين يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككل بنسبة 2.0 في المائة في العام 2026، انخفاضاً من توقعات نمو بلغت نسبة 1.1 في المائة في أبريل 2026. ويُعزى هذا التعديل الهبوطي الكبير في الأساس إلى الانخفاض الحاد في إنتاج النفط لدى البلدان المشاركة بشكل مباشر، تلته اضطرابات في إمدادات الطاقة، الأمر الذي وضع بدوره ضغطاً تصاعدياً إضافياً على أسعار النفط العالمية.
وعلى مستوى البلدان، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجّل الكويت وقطر انكماشات في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسب ثنائية الرقم خلال العام 2026 قبل أن تعودا إلى النمو في العام 2027، بما يعكس انخفاض إنتاج النفط والغاز بنسبة تصل إلى 86 في المائة عند أدنى مستوى له. وقد حصلت الكويت على ثاني أعلى توقعات نمو للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العام 2027 (نسبة +17.1 في المائة) في الدول الخليجية بعد قطر (نسبة +18.8 في المائة). ومن المتوقع الآن أن ينكمش نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في البحرين بنسبة 11.3 في المائة في 2026 مقارنةً بالانخفاض المتوقع في أبريل 2026 البالغ نسبة -0.5 في المائة.
وقد خُفّضت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة العربية السعودية في العام 2026 بمقدار 640 نقطة أساس لتصل إلى انخفاض بنسبة 3.3 في المائة. غير أن من المتوقع أن يتعافى اقتصاد المملكة ليحقق نمواً بنسبة 7.9 في المائة في العام 2027. وبالمثل، سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات خفضاً بمقدار 700 نقطة أساس، ومن المتوقع أن ينكمش بنسبة 3.9 في المائة في العام 2026 قبل أن يعود إلى النمو بنسبة 7.7 في المائة في 2027.
وفي المقابل، تبقى سلطنة عُمان الاستثناء، بما يتسق مع رؤية صندوق النقد الدولي في أبريل 2026. فقد أتاح انكشاف السلطنة المحدود على مضيق هرمز زيادة الإنتاج وتسارع النمو في النصف الأول من العام 2026. وتُقدَّر توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسلطنة عُمان لعام 2026 الآن بنسبة 4.1 في المائة، ارتفاعاً من نسبة 3.5 في المائة في توقعات أبريل 2026 (+60 نقطة أساس). غير أن توقعاتها لعام 2027 قد خُفّضت إلى نسبة 2.2 في المائة من نسبة 3.4 في المائة (-120 نقطة أساس)، وذلك لأن انتعاش المنطقة مدفوع باستعادة الطاقة الإنتاجية في الاقتصادات المتأثرة مباشرةً وليس بسلطنة عُمان.
الخسارة في الأحجام
وقد أكّد صندوق النقد الدولي أن الخسارة في الأحجام قد طغت، بالنسبة لمصدّري الخليج المتأثرين مباشرةً، على المكاسب الناجمة عن ارتفاع الأسعار. فعلى صعيد الأسعار، ارتفع النفط من نحو 65 دولاراً للبرميل في يناير 2026 إلى ما يقارب 118 دولاراً للبرميل في نهاية مارس 2026، ثم تذبذب حول 90 دولاراً للبرميل بعد ذلك، وعاد ليتجاوز 100 دولار للبرميل في سبتمبر 2026، أي بنسبة 50 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب. وقد رفع صندوق النقد الدولي افتراضه لسعر النفط (المتوسط البسيط لخام برنت وخام دبي فاتح وغرب تكساس الوسيط) إلى 95.74 دولاراً للبرميل لعام 2026 و87.39 دولاراً للبرميل لعام 2027، مقابل 82.2 دولاراً و76 دولاراً للبرميل في توقعات أبريل 2026. ووفقاً لصندوق النقد الدولي، انخفض إنتاج النفط والغاز لدى مصدّري منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان المتأثرين مباشرةً من 33 مليون برميل يومياً في فبراير 2026 إلى أدنى مستوى يقارب 19 مليون برميل يومياً في مايو 2026. غير أنه على الرغم من التعافي الجزئي للإنتاج بعد مايو 2026، ولا سيما في العراق والكويت وقطر، ظلّ الإنتاج الإجمالي أدنى بنسبة 30 في المائة من مستويات فبراير 2026 قبل أن ينخفض مجدداً في أغسطس 2026. وقد بلغت خسائر الإمدادات العالمية التراكمية المنسوبة إلى الصراع 1.8 مليار برميل بحلول يوليو 2026، وهو ما يتجاوز بكثير صدمة النفط عام 1973 وحرب الخليج عام 1990.
هذا ولم يفصح صندوق النقد الدولي عن أرقام الناتج المحلي الإجمالي النفطي وغير النفطي لكل دولة من الدول الخليجية على حدة، لكننا قمنا بتقدير البيانات الواردة أدناه استناداً إلى الشكل 1.14 في تقرير الصندوق. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي النفطي الحقيقي للمملكة العربية السعودية بنسبة طفيفة تبلغ نسبة 0.6 في المائة في العام 2026، بينما يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة بنحو 4.6 في المائة خلال الفترة نفسها. وعلاوة على ذلك، يتوقع الصندوق تحسن الناتج المحلي الإجمالي النفطي للمملكة في العام 2027، مع نمو يقارب نسبة 3.1 في المائة، في حين يُتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي نمواً بنسبة 4.9 في المائة في العام ذاته. وبشكل عام، من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي للدول الخليجية بنسبة 0.8 في المائة في العام 2026، قبل أن يعاود النمو بنسبة 4.5 في المائة في العام 2027.
قطاع الهيدروكربونات
ويتركز الضعف في الناتج المحلي الإجمالي العام للدول الخليجية بشكل رئيسي في قطاع الهيدروكربونات. ومن المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 0.8 في المائة فقط في العام 2026، وهو أداء أفضل بكثير من الانكماش بنسبة في المائة في الناتج المحلي الإجمالي العام، قبل أن يتعافى محققاً نمواً بنسبة 4.5 في المائة في العام 2027. ويبرز هذا الأمر المرونة النسبية للاقتصادات المحلية وفوائد التنويع الاقتصادي. ومع ذلك، فقد تأثرت قطاعات السياحة والنقل والخدمات اللوجستية والتجارة جراء الاضطرابات الإقليمية. وعلى المدى الأطول، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يستقر معدل النمو غير النفطي في الدول الخليجية عند نسبة 3.8 في المائة بحلول العام 2031، مما يؤكد أهمية مواصلة جهود التنويع الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص.
وبالنسبة للدول الخليجية، من المتوقع أن ينخفض الرصيد المالي الإجمالي من نسبة -0.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025 إلى نسبة -2.3 في المائة في العام 2026 على الرغم من الأسعار المرتفعة، بما يعكس فقدان الطاقة الإنتاجية في قطاع الهيدروكربونات، قبل أن ينتعش إلى فائض بنسبة 0.6 في المائة في العام 2027 مع تعافي الأحجام. وبالنسبة لمصدّري النفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان ككل، من المتوقع أن يتسع العجز من نسبة 2.9 في المائة إلى نسبة 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2026، وبالنسبة لمصدّري النفط من خارج الدول الخليجية من نسبة 8.3 في المائة إلى نسبة 10.8 في المائة. وتتباين المواقف المالية داخل الدول الخليجية. فمن المتوقع أن يكون التوجه المالي لعام 2026 تقييدياً في البحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وفي العراق، في حين يُتوقع أن تضعف الأوضاع المالية في الإمارات والكويت بسبب ارتفاع الاستثمار لإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الصراع. وأكّد صندوق النقد الدولي أن الحافز المالي لعام 2026 يعكس، في بعض الدول الخليجية، انخفاضات كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي وليس إجراءات تقديرية جديدة. غير أن البلدان ذات الاحتياطيات الكبيرة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، يمكنها تخفيف توجهها المالي ضمن إطار متوسط الأجل موثوق، في حين ينبغي للبلدان ذات الاحتياطيات المحدودة، مثل البحرين والعراق، أن تعتمد أساساً على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
المصدر: الرياض - اقتصاد