فوز الديمقراطيين يحدّ من نفوذ ترمب في «الفيدرالي»... فهل يغادر باول مجلس المحافظين؟

يفتح فوز الديمقراطيين الواسع في انتخابات التجديد النصفي الأميركية الباب أمام مرحلة جديدة في العلاقة بين البيت الأبيض ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع تراجع قدرة الرئيس دونالد ترمب على التأثير في تعيينات البنك المركزي وتعزيز الضوابط المؤسسية المحيطة بقراراته. وفي خضم هذا التحول، تتجدد التساؤلات بشأن مستقبل جيروم باول، الرئيس السابق لـ«الفيدرالي» الذي لا يزال عضواً في مجلس المحافظين، وما إذا كانت المتغيرات السياسية الجديدة قد تدفعه إلى مغادرة المجلس قبل انتهاء ولايته في يناير (كانون الثاني) 2028.

لم تكن العلاقة بين ترمب وباول على هذا القدر من التوتر منذ بدايتها؛ فالرئيس الأميركي هو من اختار باول لرئاسة «الفيدرالي» خلال ولايته الأولى في عام 2017، قبل أن يعيد الرئيس السابق جو بايدن تعيينه لولاية ثانية في 2022. لكن الخلاف تصاعد مع إصرار ترمب على خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع وبمستويات أكبر، مقابل تمسك باول بأن قرارات السياسة النقدية يجب أن تستند إلى البيانات الاقتصادية، لا إلى رغبات البيت الأبيض. ووصلت المواجهة إلى حد وصف ترمب له مراراً بأنه «متأخر جداً»، ومطالبته بالاستقالة، فيما هدد بإقالته.

وتجاوز الخلاف مسألة أسعار الفائدة إلى مواجهة قانونية، بعدما فتحت وزارة العدل تحقيقاً جنائياً بشأن تكاليف تجديد مقر «الفيدرالي» في واشنطن، وهو ملف استخدمته إدارة ترمب للضغط على باول. واعتبر الأخير التحقيق محاولة لترهيب البنك المركزي والتأثير في استقلاليته، قبل أن يوقف قاضٍ مذكرات الاستدعاء المرتبطة به، ثم أُغلق التحقيق في أبريل (نيسان) الماضي. وفي ظل هذه التطورات، قرر باول البقاء عضواً في مجلس المحافظين بعد انتهاء رئاسته في مايو (أيار)، قائلاً إن الهجمات القانونية على المؤسسة تهدد استقلاليتها.

ملفات أكثر تعقيداً لوارش

وفي المقابل، تفتح التَّحوُّلات السياسية في الكونغرس مرحلةً أكثر تعقيداً أمام رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش، إذ يُتوقَّع أن تنتقل رئاسة لجان رقابية رئيسية إلى الديمقراطيين، وفي مقدمتها لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ، التي يُرجَّح أن تتولاها السيناتورة إليزابيث وارن، المعروفة بانتقاداتها الحادة لوارش، خلفاً للجمهوري تيم سكوت، أحد أبرز داعميه.

ويرى محللون أن سيطرة الديمقراطيين على اللجنة قد تضع توجهات وارش بشأن إدارة البنك المركزي تحت تدقيق أكبر، خصوصاً أنه يسعى إلى تبني نهج أقل ظهوراً وشفافية في التواصل مع الجمهور. وكتب اقتصاديون في مؤسسة «مونيتاري بوليسي أناليتيكس»، التي أسسها محافظ «الفيدرالي» السابق لاري ماير، أن وارش لم يحصل على دعم أي من الديمقراطيين لتولي رئاسة البنك المركزي، محذِّرين من أنَّ الاستجوابات الحادة في الكونغرس قد تضع تصريحاته وتوجهاته موضع اختبار.

ولا تقتصر تداعيات التَّحوُّل في قيادة مجلس الشيوخ على الرقابة على قرارات البنك المركزي، بل قد تمتد إلى مستقبل وارش نفسه. وقال مايكل فيرولي، الاقتصادي في «جي بي مورغان»، إن تغيُّر القيادة في المجلس يحمل تداعيات مهمة على المدة التي قد يستمر خلالها وارش في رئاسة «الفيدرالي».

وأشار فيرولي إلى أن ولاية وارش تنتهي في عام 2030، وأن نتائج الانتخابات رفعت احتمالات انتهاء ولايته في ظلِّ سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ. وأضاف أن وارش، إذا أراد الحصول على ولاية جديدة، على غرار ما فعله رؤساء سابقون للبنك المركزي، سيحتاج إلى تكريس وقت أكبر للتواصل مع أعضاء الكونغرس وكسب دعمهم، بدلاً من الاكتفاء بمتابعة التطورات من خارج أروقة المؤسسة التشريعية.

وكان مجلس الشيوخ قد صادق على تعيين وارش رئيساً لـ«الفيدرالي» في مايو (أيار) الماضي، بأغلبية 54 صوتاً مقابل 45، ولم يحظَ بدعم سوى عضو ديمقراطي واحد. ومن المتوقع أن تضع الأغلبية الديمقراطية الجديدة وارش أمام مساءلة أكثر صرامة بشأن أداء البنك المركزي، لا سيما أن الحزب ركَّز حملته الانتخابية على تكاليف المعيشة، ما يمنحه حافزاً للضغط من أجل التزام «الفيدرالي» بمهمته الأساسية في كبح التضخم.

ويمكن للجنة الخدمات المصرفية أيضاً فتح تحقيقات في ملفات تتعلق بوارش، من بينها طريقة تصرفه في أصول مالية تقدَّر بمئات الملايين من الدولارات، وسط تساؤلات أثارتها وارن بشأن مدى وضوح هذه الإجراءات قبل توليه رئاسة البنك المركزي.

تقييد قدرة ترمب على إعادة تشكيل المجلس

وتكتسب السيطرة الديمقراطية على مجلس الشيوخ أهميةً خاصةً بالنسبة إلى ترمب، إذ تحدّ من قدرته على تعزيز نفوذ حلفائه داخل مجلس محافظي «الفيدرالي» المؤلف من 7 أعضاء. ويضم المجلس حالياً 3 محافظين عيّنهم الرئيس السابق جو بايدن، إلى جانب جيروم باول، الرئيس السابق للبنك المركزي، الذي عيّنه ترمب أول مرة ثم أعاد بايدن تعيينه، والذي لا يزال عضواً في المجلس رغم خلافه مع الرئيس الحالي.

وكان ترمب قد وصف تركيبة المجلس بأنها «معادية» و«حزبية»، منتقداً عدم استجابته لمطالب البيت الأبيض بخفض أسعار الفائدة بصورة كبيرة. غير أن صانعي السياسة النقدية، ومن بينهم وارش، اتجهوا بدلاً من ذلك إلى رفع الفائدة لمواجهة ارتفاع التضخم.

وتتجلَّى إحدى أبرز ساحات المواجهة في مساعي ترمب لإقالة محافظة «الفيدرالي» ليزا كوك، وهي محاولة لا تزال مستمرة. ومن المتوقع أن تبدأ الإدارة الأميركية خلال الأسابيع المقبلة إجراءً إدارياً يمهِّد لإعلان ترمب توافر «سبب» لإقالتها، استناداً إلى أخطاء في طلبات للحصول على قروض عقارية تعود إلى ما قبل تعيينها في البنك المركزي.

ومن المرجَّح أن تواجه أي خطوة لإقالة كوك تحدياً قضائياً جديداً، بعدما سبق للمحكمة العليا أن أصدرت حكماً ضد مسعى ترمب لإبعادها. وحتى إذا نجح الرئيس في إقالتها، فإنَّ فرص تمرير مرشح يختاره لشغل مقعدها ستكون محدودة في ظلِّ مجلس شيوخ يسيطر عليه الديمقراطيون.

ولم تكن محاولات التأثير في تعيينات «الفيدرالي» حكراً على الخلاف بين الحزبين؛ إذ سبق أن عرقل أعضاء جمهوريون أنفسهم بعض الترشيحات التي عدّوها متطرفةً خلال ولاية ترمب الأولى. وفي وقت سابق من العام الحالي، استخدم السيناتور الجمهوري توم تيليس نفوذه لتعطيل المصادقة على ترشيح وارش، إلى أن تخلت الإدارة عن تحقيق جنائي كانت تجريه بحق باول. وكان تيليس قد قرَّر عدم التَّرشُّح مجدداً في ولاية كارولاينا الشمالية، بعدما هدَّد ترمب بمواجهته انتخابياً، قبل أن يفوز الديمقراطي روي كوبر بالمقعد يوم الثلاثاء.

وقال مارك سبيندل، الشريك في شركة «بايلوت ويف هولدينغز» ومؤلف كتاب عن السياسة داخل «الفيدرالي»، إن انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين سيغيِّر البيئة التي تُعرض فيها الترشيحات للمصادقة، وقد يوفِّر للبنك المركزي مستوى مختلفاً من الدعم السياسي.

وأضاف أن استقلالية «الفيدرالي» اعتمدت دائماً، جزئياً، على الكونغرس، وأن الدعم المؤسسي من مجلس الشيوخ يؤثر في المساحة المتاحة لصانعي السياسة النقدية لاتخاذ قرارات تستند إلى التضخم والتوظيف، بدلاً من الضغوط السياسية.

الرقابة تمتد إلى الإصلاحات التنظيمية

ولا تتوقَّف التداعيات عند السياسة النقدية والتعيينات، إذ قد تؤدي سيطرة الديمقراطيين على لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ، وكذلك لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب، إلى تعقيد الإصلاحات التنظيمية التي تدفع بها إدارة ترمب ونائبة رئيس «الفيدرالي» للإشراف ميشيل بومان.

وتشمل هذه الملفات القواعد التي يعمل البنك المركزي على إعدادها لتنظيم العملات المستقرة بموجب قانون «جينيوس»، إلى جانب خطة لإعادة هيكلة نظام الإشراف المصرفي داخل «الفيدرالي». وقد تصبح هذه الإصلاحات، في ظلِّ الرقابة الديمقراطية الجديدة، موضع نقاش ومراجعة أكثر تشدداً في الكونغرس.

المصدر: الشرق الأوسط - اقتصاد