النفط يعاود ارتفاعه قرب أعلى مستوى وسط التوترات

عاودت أسعار النفط ارتفاعها، أمس الثلاثاء، حيث ظل خام برنت يحوم حول أعلى مستوى له في خمسة أشهر، مع أخذ المتعاملين في الحسبان علاوة مخاطر جيوسياسية ناتجة عن هجمات مليشيات الحوثيون لمحاولة التأثير على البنية التحتية النفطية السعودية، وتقارير عن هجمات استهدفت سفناً في منطقة الخليج.

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 52 سنتاً، أي بنسبة 0.47%، لتصل إلى 110.07 دولار للبرميل، وذلك بعد أن سجلت في الجلسة السابقة 110.70 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ 20 مايو. كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي لعقود نوفمبر -التي تنتهي يوم الثلاثاء- بنسبة 0.36% ليصل إلى 104.03 دولار للبرميل. أما عقود ديسمبر، الأكثر نشاطاً، فقد صعدت 26 سنتاً، أي بنسبة 0.26%، لتصل إلى 98.80 دولار للبرميل.

وذكر محللون في بنك "آي إن جي" في مذكرة يوم الثلاثاء أن "أسعار النفط لا تزال تحظى بدعم قوي وهو ما يشير إلى أن السوق تضع في اعتبارها علاوة مخاطر كبيرة، نظراً لحالة التقلب التي يشهدها الوضع".

وأضافوا: "مع ذلك، إذا استمر تدفق الإمدادات دون عوائق رغم الظروف الجيوسياسية، فمن المرجح أن تتلاشى علاوة المخاطر تدريجياً. ومن الواضح أنه لا توجد أي مؤشرات على حدوث ذلك حتى الآن".

وأشارت شركة "كبلر" المتخصصة في تتبع حركة السفن، في مذكرة يوم الاثنين، إلى ورود تقارير عن تعرض ما لا يقل عن 18 سفينة لهجمات خلال أسبوعين، مما يبقي على علاوة المخاطر قائمة.

وقد أدت هذه الهجمات المتجددة إلى تصاعد المخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي، وسلطت الضوء على المخاطر المستمرة التي تهدد إمدادات الطاقة من المنطقة، مما أبقى أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

وفي الولايات المتحدة، أشار استطلاع إلى توقعات بتراجع مخزونات النفط الخام، إلى جانب انخفاض مخزونات المنتجات النفطية خلال الأسبوع الماضي. وكان الرئيس دونالد ترمب قد أصدر أمراً تنفيذياً يوم الجمعة يقضي برفع عقوبات ورسوم جمركية أمريكية رئيسية مفروضة على روسيا، بما في ذلك الرسوم على السلع والعقوبات المتعلقة بشراء الطاقة الروسية.

غير أن ترمب صرح يوم السبت بأنه لم يتخذ بعد قراراً نهائياً بشأن هذه المسألة، في حين ذكر وزير الخارجية ماركو روبيو أن المسؤولين بحاجة إلى مزيد من الوقت لتقييم الموقف.

وذكرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي أن إنتاج روسيا من النفط الخام ارتفع في سبتمبر/أيلول بمقدار 65 ألف برميل يومياً ليصل إلى 8.43 مليون برميل يومياً، لكنه ظل أقل بنحو 870 ألف برميل يومياً مقارنة بمستوياته قبل عام.

وقال تيم ووترر، كبير المحللين في شركة "كي سي إم تريد": "على الرغم من أن احتمالية توفر إمدادات إضافية من الديزل الروسي قد توفر نوعاً من الانفراج نظرياً، إلا أن المتعاملين يبدون أكثر تركيزاً على المخاطر المستمرة لحدوث مزيد من الأضرار للبنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج".

هرمز "غير ضروري"

من جهة أخرى، قال جورج الهيدري، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك "إتش إس بي سي"، يوم الثلاثاء، بأن الاستثمار في مسارات لوجستية بديلة في منطقة الخليج -بهدف تخفيف تداعيات الحرب التي تشارك فيها إيران- قد يجعل مضيق هرمز "غير ضروري" خلال السنوات الخمس المقبلة.

وقد سلط الصراع الضوء على اعتماد العالم الكبير على هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي كان يمر عبره سابقاً خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. يدفع هذا الوضع دول الخليج إلى توجيه مواردها نحو تطوير خطوط أنابيب للطاقة تصل إلى الموانئ؛ وهي استثمارات يرى الهيدري أنها ستمكّن المنطقة من تجاوز تداعيات الصراع.

وقال الرئيس التنفيذي للبنك، خلال فعالية "منتدى المستقبل" "نحن نرى أن هذه المنطقة قادرة على التعافي ومواصلة النمو، وهو ما سيتطلب استثمارات ضخمة". وأضاف: "بالطبع، نتمنى ونأمل أن نرى حلاً لهذا الصراع، لكن مضيق هرمز قد يصبح، ربما في غضون خمس سنوات، غير ضروري".

وذكر "إتش إس بي سي" في تقرير صدر يوم الاثنين -استناداً إلى بيانات من منصة "ميد" المتخصصة في معلومات سوق الإنشاءات، أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا تطرح حزم مشاريع بقيمة 872 مليار دولار، وهي جزء من خطة أوسع للبنية التحتية بقيمة 1.4 تريليون دولار لم تُرسَ عقودها بعد.

من ناحية أخرى، أظهر استطلاع أجراه "إتش إس بي سي" مؤخراً، وشمل أكثر من 1600 من قادة الأعمال ونحو 820 من المستثمرين المؤسسيين العالميين، أنهم لا يزالون يعتبرون منطقة الخليج مركزاً جذاباً للاستثمار. ومع ذلك، وبعد تحقيق نمو بنسبة 3.3% في عام 2025، توقع البنك الدولي في تقرير صدر الأسبوع الماضي حدوث انكماش اقتصادي حاد بنسبة 1.3% هذا العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان، وذلك بسبب الحرب. ومن المتوقع أن يعقب ذلك تعافٍ قوي، وإن كان غير متكافئ، في عام 2027.

ومن المتوقع أن تسجل شركات النفط الكبرى قفزة كبيرة في أرباح الربع الثالث، مدفوعةً بتحسن نتائج عمليات التكرير والتجارة في ظل الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وفي المقابل، يترقب المستثمرون مدى حكمة هذه الشركات في إدارة فوائضها النقدية، وما إذا كانت ستتجنب التوسع المفرط في الإنفاق.

وقد أدى الاضطراب الشديد في مضيق هرمز -الذي بدأ مع اندلاع الحرب إثر غارات جوية أمريكية-إسرائيلية في فبراير- إلى دفع أسعار الطاقة نحو أعلى مستوياتها منذ سنوات، مما مكن أقسام التجارة في هذه الشركات من تحقيق أرباح من تقلبات الأسواق.

وفي قطاعٍ طالما عُرف تاريخياً بتقلباته الحادة بين فترات الازدهار والانهيار، تعهدت الشركات الكبرى هذه المرة بالحفاظ على انضباط التكاليف، وذلك في عام يُعد من أكثر الأعوام ربحيةً لمنتجي النفط العالميين في الآونة الأخيرة.

وتتوقع كل من شركات "شل"، و"بي بي"، و"توتال إنيرجي" أن تتضاعف هوامش التكرير لديها ثلاث أو أربع مرات في الربع الثالث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي؛ حيث تشير تقديرات "شل" إلى بلوغ مستوى قياسي عند 42 دولاراً للبرميل. كما تتوقع "توتال إنيرجي" أن يتضاعف التدفق النقدي من قطاع التكرير والكيماويات ليصل إلى نحو 4 مليارات دولار مقارنة بالربع السابق. من جانبها، أشارت شركة "إكسون" إلى أن ارتفاع هوامش التكرير خلال الربع قد يعزز أرباح قطاع التكرير والتسويق بمقدار 4.5 مليار دولار مقارنة بالربع السابق.

وقال بيراج بوركاتاريا، المحلل في "آر بي سي كابيتال ماركتس"، في مذكرة بحثية أن المستثمرين يتساءلون -مع اقتراب موعد إعلان نتائج الربع الثالث في نهاية الشهر- عما إذا كانت الشركات الكبرى ستلتزم بخطط إنفاقها الحالية في ظل هذه الأرباح الاستثنائية.

وحتى الآن، استخدمت شركتا "شيفرون"، و"إكسون" هذه الأموال لسداد الديون. وذكر محللون أن المستثمرين في شركة "شيفرون" سيراقبون استثماراتها في فنزويلا، بالإضافة إلى التقدم المحرز نحو تمديد عقد تشغيل مشروع "تي سي أو" المشترك في كازاخستان، والذي يتولى تطوير أكبر حقل نفطي في البلاد.

ويتوقع بنك "إتش إس بي سي" أن تعلن شركة "شل" عن برنامج لإعادة شراء الأسهم بقيمة 3.5 مليار دولار للربع الرابع، وذلك بعد أن كانت قد خفضت وتيرة برنامجها لإعادة الشراء إلى 3 مليارات دولار في الربع الواحد في وقت سابق من هذا العام.

وعقب التحديث الذي قدمته شركة "بي بي" حول أدائها التجاري الأسبوع الماضي، صنف بنك الاستثمار "تي بي إتش" الشركة كخيارهم المفضل بين كبرى شركات النفط الأوروبية. وأشار البنك إلى أن الأرباح الأساسية لشركة "بي بي" قد تتجاوز 7 مليارات دولار، مقارنة بـ 5.7 مليار دولار في الربع الثاني، مدعومةً بأداء قطاعات التكرير، وتسويق الغاز، وتداوله.

يأتي ذلك في وقت ينتظر فيه المستثمرون تقارير الأرباح الفصلية للشركات الكبرى. وتُستخدم هذه السيولة النقدية لتعزيز الميزانية العمومية لشركة "بي بي". وتُظهر بيانات "سيتي" أن نسبة صافي الدين إلى التدفق النقدي التشغيلي للشركة ستنخفض من 1.7 ضعف في نهاية عام 2025 -وهي النسبة الأعلى بين كبرى شركات النفط الخمس- لتصل إلى 0.8 ضعف بحلول الربع الثالث.

وذكر بنك "إتش إس بي سي" أنه من المرجح أن تناقش "بي بي" خططها المستقبلية لتخصيص رأس المال خلال إعلان نتائج الربع الثالث؛ حيث نجحت الشركة في تحقيق هدفها بخفض صافي الدين قبل الموعد المحدد بنحو عام، وهو ما ساعد عليه أيضاً قرارها بتعليق برنامج إعادة شراء الأسهم هذا العام. كما أشارت "بي بي" إلى أنها ستطرح تحديثاً لاستراتيجيتها في 15 ديسمبر.

ومن المقرر أن تعلن شركتا "شل" و"توتال" عن نتائجهما في 29 أكتوبر، بينما ستعلن شركات "بي بي" و"شيفرون" و"إكسون" عن نتائجها في 30 أكتوبر.

المصدر: الرياض - اقتصاد