أثارت الرسوم والعمولات المرتفعة التي تفرضها بعض تطبيقات توصيل الطعام تساؤلات متزايدة حول انعكاساتها على أسعار الوجبات المقدمة للمستهلكين، في ظل شكاوى من أصحاب مطاعم بشأن ارتفاع نسب الاستقطاعات من قيمة الطلبات، وما يترتب عليها من أعباء تشغيلية تدفع بعض المنشآت إلى رفع أسعار منتجاتها عبر التطبيقات مقارنة بأسعارها داخل المطاعم، الأمر الذي يجعل المستهلك يتحمل في نهاية المطاف جزءًا كبيرًا من تلك التكاليف، سواء من خلال ارتفاع أسعار الوجبات أو رسوم التوصيل والخدمة والدفع الإلكتروني.
وفي هذا الشأن كشف عدد من أصحاب المطاعم أن العمولات والاستقطاعات المرتبطة بخدمات تطبيقات التوصيل أصبحت تشكل تحديًا متناميًا أمام المنشآت الغذائية، خصوصًا المطاعم الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على الطلبات الإلكترونية في تسويق منتجاتها وزيادة مبيعاتها، مشيرين إلى أن تعدد الرسوم المفروضة على الطلب الواحد يضغط على هوامش الأرباح، ويدفع بعض المطاعم إلى إعادة تسعير وجباتها لتعويض التكاليف الإضافية.
وفي هذا السياق، أوضح أحد أصحاب المطاعم أن إجمالي العمولات والاستقطاعات التي تتحملها بعض المنشآت مقابل خدمات تطبيقات التوصيل قد يصل، بحسب تجربته، إلى نحو 45% من قيمة الطلب الواحد، عند احتساب العمولات الأساسية والتكاليف المرتبطة بالعروض والخدمات الأخرى، مؤكدًا أن هذه النسب المرتفعة تجعل استمرار البيع بالأسعار نفسها المقدمة داخل المطعم أمرًا صعبًا من الناحية الاقتصادية. وأضاف أن المستهلك قد يعتقد أن ارتفاع أسعار الوجبات عبر التطبيقات يعود إلى المطعم نفسه، بينما ترتبط بعض تلك الزيادات بمحاولة تغطية تكاليف العمولات والخدمات التي تستقطعها شركات التوصيل، لافتًا إلى أن المطاعم تواجه معادلة معقدة بين المحافظة على أسعار تنافسية وتحقيق هامش ربح يضمن استمرار نشاطها.
التوصيل المجاني
وفي مفارقة لافتة، أشار صاحب المطعم إلى أن عبارة "التوصيل المجاني" التي تتصدر بعض العروض الترويجية لا تعني بالضرورة غياب التكلفة، إذ يتحمل المطعم في بعض الحالات قيمة التوصيل أو جزءًا منها ضمن الاتفاقيات والعروض التسويقية، وهو ما يضيف أعباء مالية جديدة قد تنعكس بصورة غير مباشرة على أسعار المنتجات.
وأوضح أن المنافسة المتزايدة بين المطاعم للحصول على ظهور أفضل داخل التطبيقات، إلى جانب المشاركة في الحملات الترويجية وتقديم الخصومات، قد تفرض تكاليف إضافية على المنشآت، خصوصًا عندما تصبح التطبيقات قناة رئيسية للوصول إلى العملاء، الأمر الذي يقلص قدرة بعض المطاعم على التفاوض بشأن العمولات وشروط التعاقد.
وعلى الجانب الآخر، عبّر مستهلكون عن استيائهم من الارتفاع الملحوظ في التكلفة النهائية للطلبات، مؤكدين أن أسعار بعض الوجبات عبر التطبيقات تختلف عن أسعارها عند الشراء المباشر من المطاعم، فضلًا عن إضافة رسوم التوصيل والخدمة، الأمر الذي يجعل قيمة الطلب ترتفع بصورة لا تتناسب أحيانًا مع سعر الوجبة الأساسية. وأشاروا إلى أن رسوم التوصيل قد تعادل في بعض الحالات قيمة الوجبة نفسها أو تقترب منها، خصوصًا عند طلب وجبات منخفضة السعر، متسائلين عن مبررات هذا التفاوت، ومدى وضوح الرسوم أمام المستهلك قبل إتمام عملية الشراء.
استرداد المبالغ
ولم تتوقف شكاوى المستهلكين عند ارتفاع الأسعار، بل امتدت إلى آليات التعامل مع الطلبات المتأخرة أو الناقصة، حيث أفاد عدد منهم بأن بعض التطبيقات تعوضهم عن المنتجات غير المستلمة أو الطلبات التي تواجه مشكلات بإيداع المبالغ المستحقة في المحفظة الإلكترونية داخل التطبيق، بدلًا من إعادتها إلى وسيلة الدفع الأصلية.
وأكد مستهلكون أن هذه الممارسة، في الحالات التي لا يتاح فيها خيار الاسترداد النقدي، تقيد حرية التصرف في أموالهم، وتجبرهم عمليًا على استخدامها في طلبات لاحقة من التطبيق نفسه، حتى وإن لم تكن لديهم رغبة في تكرار التجربة.
وأضافوا أن المشكلة تتفاقم عندما يتزامن نقص الطلبات مع تأخر وصولها، إذ يجد المستهلك نفسه أمام تجربة شراء لا تتناسب مع المبلغ المدفوع، فضلًا عن اضطراره إلى التواصل مع خدمة العملاء للمطالبة بحقوقه، وسط تفاوت في سرعة الاستجابة وآليات معالجة الشكاوى.
شفافية الأسعار
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز أهمية تعزيز الشفافية في عرض الأسعار والرسوم، من خلال توضيح قيمة الوجبة ورسوم التوصيل والخدمة وأي مبالغ إضافية بصورة مستقلة، بما يمكّن المستهلك من معرفة التكلفة الفعلية قبل تأكيد الطلب، ويحد من المفاجآت السعرية عند الانتقال إلى مرحلة الدفع. كما تطرح شكاوى المطاعم والمستهلكين تساؤلات حول طبيعة العلاقة التعاقدية بين تطبيقات التوصيل والمنشآت الغذائية، ومدى تأثير العمولات المرتفعة في المنافسة والأسعار النهائية، خصوصًا مع اتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية في شراء الوجبات.
وتتزايد أهمية مراجعة الممارسات المتعلقة باسترداد المدفوعات، بما يضمن وضوح الخيارات المتاحة للمستهلك عند إلغاء الطلب أو نقص محتوياته، وعدم تحويل التعويض إلى رصيد مقيد بالاستخدام داخل التطبيق دون موافقته، متى كان مستحقًا لاسترداد المبلغ وفق الأنظمة والشروط المطبقة.
المصدر: الرياض - اقتصاد